القاضي النعمان المغربي
329
المجالس والمسايرات
فكأنّما شقّ عن قلبي له غطاء كان عليه . فقبّلت الأرض بين يديه ، وقلت : يا مولانا ، هذا الذي نزل من السماء لا ما سكن في الأرض . كلام في الربيع جرى في مجلس : 171 - ( قال ) وذكر الرّبيع يوما في مجلس المعزّ ( صلع ) وما يكون فيه من الخضر والزّهر والنّبت وتفتّح الشّجر . إلى أن جرى ذكر النّزهة فيه وما يخرج به أهل الخلاعة والبطالة إليه - إذا اعتمّ « 1 » نبته وزها نوّاره واخضرّ عشبه وتفتّحت أشجاره - من ألوان الأطعمة وخبائث الأشربة في نزههم إليه ، وما يعكفون به من لهوهم عليه . فقال المعزّ ( صلع ) : سبحان اللّه ! ما كان أولاهم / إذا نظروا إلى عظيم قدرته فيما أخرجه من نبات الأرض ونوّارها وافتتاح أشجارها بعد أن أعاد منه ما كان قبل ذلك مخضرّا عميما ، يبسا وصار عصفا هشيما « 2 » ، ثمّ أنبته اللّه تعالى بالقدرة ، وأعاده بعد أن يبس وذوى إلى النّضرة ، وزيّنه ببدائع الزّهر ، وكساه بعد الجفاف ألوان الخضر فأحياه بعد الممات ، وأيقظه بعد السّبات ، وأخرجه من تراب وماء ، وغذّاه بحرّ الشّمس ولطيف الهواء ، وجعل له حياتا وموتا ، وقدّر منه نفعا وقوتا ، تعجز العقول عن إدراك كيفيّة إخراجه ، ونموّه . خلقت قدرته عظم « 3 » الأشجار من الحبوب والبذور الصّغار . وما ألّفه بتدبير حكمته من أغصانها وأوراقها ، واستخرجه من نوّارها وثمارها ، وتفاوت ألوانها واختلاف / أجناسها وطعومها ، كما قال اللّه ( تعالى ) : « يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ « 4 » » . وأخبر أنّ في ذلك من الآيات والدّلائل والبيّنات ما يجب على من أطلعه عليه « 5 » من عباده الفكرة والنّظر والعبرة ، والاستدلال بما أظهره من عجائب قدرته ومعجزات خلقه على وحدانيّته وحكمته . فذلك الذي أمر اللّه ( عج ) به - بذلك وغيره ممّا خلقه - لقوله : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 6 » » ، ولم يقل : إن فيه التذاذا للمتنزّهين واستمتاعا للآكلين على النظر إليه والشّاربين .
--> ( 1 ) اعتم النبت بالزهر وتعمم : تكلل به كالتاج . ( 2 ) ب : عشفا ، أو : حشفا ؟ ( 3 ) في النسختين : جلت قدرته عظم . ( 4 ) الرعد ، 4 . ( 5 ) سقطت « عليه » من أ . وتأخرت في ب بعد عباده . ( 6 ) الرعد ، 3 .